لحراطين الفئة المغبونة..
لحراطين الفئة المغبونة..
المشاكل، على تنوعها و تفريعاتها، التي يعيشها مجتمعنا و تهدده في صميم و حدته، هي في جزء كبير منها من مسؤولية الأنظمة التي تعاقبت على البلاد. و الجزء المتبقي تعود المسؤولية فيه إلى نمط النظام الاجتماعي الذي كان سائدا. فما من مجتمع من المجتمعات الإنسانية، و حتى “الحيوانية ” إلا و ينطوي على إيجابيات و سلبيات.فالعبودية، مثلا، هي في أصلها من نتائج التقسيم الوظيفي في المجتمع. ولكن إذا كان هذا مفهوما في ملة الأولين، وضرورة من ضرورات إنتاج الثروة و الوفرة، فإنه كان من واجب الأنظمة التي جاءت بعد الاستعمار أن تضع في رأس سلم أولوياتها القضاء على ظاهرة العبودية و مخلفاتها، و أن تعمل على وضع الأسس الإيديولوجية و العملية لإنتاج قيم اجتماعية حديثة بديلة عن “سلة ” القيم البالية ؛ خصوصا و أن أرضية هذه الأسس مهيأة في الإسلام الذي حث على المساواة و اتسم بالرحمة، و شدد على احترام و تكريم بني آدم، دون اعتبار للبشرة أو الانتماء السلالي. كما أن الإسلام حث على فكرة الاحترام و التواصل و التفاهم، سبيلا لإقامة العدل و تمكينا لمناوئين لهذا الدين للاستماع إلى صوت الحق بالتي هي أحسن.و لأن هذه الأنظمة لم تقم بالجهد المناسب في هذا السبيل ؛ بل نكاد نجزم أنها عملت على إبقاء منظومة القيم و البنية الاجتماعية البالية على أصولها، بغرض استثمارها سياسيا و تعبويا و انتخابيا،لاحقا، عند الاقتضاء.و الحراك الذي نشهده من شريحة العرب السمر، برغم مظاهر العنف فيه أحيانا يبقى مقبولا و مشروعا طالما انه يحافظ في الجوهر على وحدة المجتمع و يقتصر على النضال لاسترجاع حقوق مشروعة و كرامة آدمية مهدورة لفئة اجتماعية كريمة، كانت و مازالت تلعب الدور الرائد في بناء الدولة الوطنية.لقد ناضلت هذه الفئة العربية (لحراطين) و معهم ناضل رافقنا في حزب البعث في حقب الجمر الماضية من أجل استعادة حقوق هذه الشريحة و تبوئها لمكانتها المكرمة، ضمن الوحدة الوطنية و المجتمع العربي.و بقدر إصرارنا على شرعية هذا النضال و بهذا النفس الحضاري، نصر على أنه مما يسرع في هذا الاتجاه هو ابتعاد هذه الشريحة عن الخصومة و روح العداء للشرائح الأخرى، لأنه لا يؤدي إلى نتيجة إيجابية و يحرم هذه الشريحة من مؤازرة مستحقة من الأحرار و قوى التقدم في الوطن. يتواصل
لحراطين الفئة المغبونة..(2)
… فالحراطين، بما يمتلكون من وعي متنام، يدركون حجم الظلم الذي نزل بهم في الحقب الماضية، ولكنهم في ذات الوقت يدركون أنه نزل بهم ممن تربطهم وإياهم علاقات اجتماعية يختلط فيها الرحم والعطف والمنافع والمصالح المشتركة، فضلا عن وشائج العادات والتقاليد والثقافة واللغة والفلكلور… والمصير الواحد. فالعلاقة بين هاتين الشريحتين العربيتين لم تكن علاقة استغلال فحسب،بل امتزجت فها وشائج إنسانية فيها المفيد الجامع وفيها الظالم الممقوت ؛ وهذا ما يفسر متانة الرباط بين المكونين. ومن هنا يقع الوطنيون وأصحاب الرؤية الوحدوية المستنيرة من كلتا الشريحتين أمام واجبين: واجب الانخراط في النضال المشروع والإنساني، الذي يستدعي مساهمة كل وطني شريف، حتى تنال هذه الشريحة كافة حقوقها وتسترجع كل مقوماتها الإنسانية داخل وحدة المجتمع وبالمحافظة على ما كان مفيدا من علاقات المودة والقربى مع الشريحة الأخرى.وأما الواجب الثاني فهو التصدي لخطاب التحريض والسب والكراهية، من أية جهة كانت، الذي تغذيه عناصر ارتبطت مصالحها الخاصة بمشاريع أجنبية تعمل منذ أمد بعيد على إحداث الفرقة وتمزيق أوصال مجتمعنا، مختبئة مع الشياطين في كل تفصيل!وغالبا ما يتسم هذا الخطاب بالعنف اللفظي وبالتحرك الموسمي، الذي هو أقرب إلى المزايدة منه إلى عمل نضالي رصين،مستغلا واقع الأمية والجهل الذي يعاني منه أغلب هذه الشريحة؛ بحيث لا يميز بتمام البداهة الفرق بين خطاب نضالي وحدوي وطني يعمل على تخليص الحراطين من وضعيات الظلم والغبن ولكن بتعبئة كل القوى التقدمية والوطنية حول هذا المشروع، وبين خطاب يعمل على طمس الهوية الثقافية للحراطين، ويحولهم إلى معاول هدم في يد الأجنبي، دون أن يقدم أصحابه قطعة خبز يطعمون بها طفلا جائعا، أو يحفرون بئرا لإرواء شيخ حاصره الكبر والفاقة في رق منشور بأفله أو آفطوط أولحداده…. أو ينظمون حملة واحدة لمحو الأمية عن طفل من أطفال هذه الشريحة الكريمة!إن وضعية لحراطين هي مسؤولية وطنية شاملة، تبدأ بإمام المسجد، معلم المحظرة، الطبيب في المصحة،الطالب في الجامعة، الأستاذ في الدرس،…والشيخ المربي في الزاوية، وكل المجتمع بعناوينه المؤثرة. يتواصل
الحراطين الفئة المغبونة..(3)
… ما يحتاجه الحراطين، اليوم، ليس التحريض على المجتمع، والدفع بهم للخصام مع فئات اجتماعية أخرى، وليس تحويلهم إلى شريحة يتملكها اليأس والإحباط. إنما تحتاجه هذه الشريحة – التي تعرضت لأبشع العلاقات الإنسانية، أي العبودية، التي أنتجت أسوأ وضعية اجتماعية واقتصادية وتعليمية – هو التأهيل الاجتماعي والاقتصادي، الذي ينبغي أن يتبناه المجتمع، وخاصة المجموعة الأخرى التي تمتعت بامتيازات السيادة في القرون الماضية، مما جعلها تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن هذا الإرث التاريخي ومخلفاته.وطالما أننا نشهد إجماعا وطنيا يدين هذا الماضي ويتألم لضحاياه، وهو أمر بالغ الأهمية إيجابيا بالنسبة لتطور الوعي الوطني، فإنه من الضروري تأسيس إجماع وطني جديد، على أسس وطنية وحدوية، حول طي هذه الصفحة السوداء من تاريخنا، عبر جملة مدروسة من السياسات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية التمييزية، التي تستجيب فعليا لاحتياجات التجمعات الكبرى لهذه الشريحة، أدواب، حتى يتدارك أبناؤها بقية المجتمع وحتى يتجاوز المجتمع مخلفات الرق المعيقة للتنمية، والمهددة للوئام الاجتماعي، وحتى- وهذا بالغ الفائدة للجميع- لا تتحول معاناة هذه الشريعة إلى أوراق للمساومة والدعاية لدى الأنظمة الفاسدة أو تستحيل مجرد أداة للضغط والابتزاز في أيدي الانتهازيين وأصحاب الألسنة الحداد من هذه الشريحة لانتزاع مصالحهم الخاصة. وإذ ندعو، بكل إخلاص ومبدئية،لهذا التمييز الإيجابي، فإننا نحرص على الـتأكيد على أن ذلك لا يعني الاعتراف بأن جميع الشرائح الأخرى في روضة يحبرون، أو أن كافة الحراطين في العذاب محضرون.بل إنما قصدناه – بكل وعي نضالي- هو أن أغلبية الحراطين يعانون من بؤس جلي ؛ وأن هذا البؤس كان نتيجة ظالمة لممارسات الرق غير الإنسانية، التي عطلت المواهب والإمكانات الإنسانية، على كل مستوى، في هذه الشريحة لقرون عديدة. يتواصل
لحراطين الفئة المغبونة..(4)
في شهر فبراير الماضي، ظهر مقالان هامان صادران عن شخصيتين سياسيتين تنتميان لمرجعيتين إيديولوجيتين مختلفتين في موضوع الوضعية الاجتماعية والسياسية في موريتانيا. الشخصية الأولى، هي القيادي الماركسي السابق، محمد سالم ولد مرزوق، الذي كتب تحت عنوان : موريتانيا والمطلب التاريخي.. والمعقولية. أما الشخصية الثانية، فهي القيادي السابق في حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو محمد فاضل سيدي هيبة، الذي تناول موضوعه تحت عنوان: المستقبل للعرب السمر. الشخصية الأولى تنتمي للشريحة العربية السمراء، والشخصية الثانية تنتمي لعائلة دينية عريقة، من الشريحة العربية البيضاء. ولرصانة هذين المقالين،وما يتميزان به من وطنية وبعد نظر ومعقولية، ارتأت الدرب العربي أن تنقل لقرائها الكرام بعضا من الأفكار الجوهرية، التي وردت فيهما؛ بادئين في هذا العدد بمقال ولد سيدي هيبة: “… يبرز معطى يصعب من الآن فصاعدا تجاهله أو التقليل منه : المستقبل في موريتانيا سيكون بكل تأكيد لتلك الشريحة الاجتماعية التي يطلقون عليها تكريسا للفئوية ” الحراطين”… لأن هذه الفئة من الشعب أصبحت مهيأة موضوعيا وذاتيا للوصول إلى قيادة البلاد. […] الحقيقة الجوهرية الأخرى هي أن أمل انقاذ الهوية العربية لموريتانيا التي تؤرق الأغلبية الساحقة من الشعب الموريتاني لم يتلاش لحسن الحظ مع يقظة هذا اللاعب الأساسي، مضافا إلي النواة الصلبة من النخبة العربية البيضاء، التي ما زالت على قناعاتها رغم استقالة “خطها الأمامي”… أما الفئة المعول عليها بالاشتراك مع أشقائها البيض في إحداث التغيير المنشود، هي شريحة العرب السمر لأنها ما زالت على فطرتها نظيفة غير ملوثة بالتغريب… والاستلاب الثقافي والارتباط بالدوائر الاستعمارية في الغرب والعمالة لفرنسا. […] ولن تتوقف الفئة العربية السمراء، بطبيعة الحال، عن النضال من أجل القضاء على بقيا العبودية ومخلفاتها. ولا شك أنها تدرك ضرورة الاستعداد في نفس الوقت للعب دور قيادي إلى جانب أشقائهم العرب البيض، وكذلك من الاخوة الزنوج الوطنيين، من أجل انتشال موريتانيا..[…]. يتواصل.
لحراطين الفئة المغبونة..(5)
…إن المسترقين السابقين – بفعل الآثار المتراكمة للبيئة الاجتماعية والنفسية التي أجبروا عليها طيلة قرون عديدة – قد تأثروا أيما تأثر في البنية النفسية للأفراد؛ الأمر الذي أدى إلى تعطيل ظالم للذكاء وسواه من القابليات الفطرية المشتركة بين أفراد الانسانية. فحرمان أبناء هذه الشريحة في الماضي من التعليم وإقصاؤها من دوائر التفكير في الأمور الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية ذات الطبيعة المستفزة للقدرات العقلية لرفع التحدي قاد، بالطراد، إلى تدني في مستوى الاهتمام بالأمور العامة للمجتمع العبودي، مع تزايد أوضاع هذه الشريحة سوءا في هذه المستويات ؛ ومن هنا حرم المجتمع نفسه من امكانيات وقابليات هائلة حالت دون ظهورها عوامل التقسيم الوظيفي الجائرة. فلقد برهنت دراسات علم الاجتماع النفسي على أن الأفراد الذين يوضعون في ظروف قاسية، فإن قابلياتهم العقلية والإدراكية، عموما، تسوء بصورة متزايدة. فالأطفال، مثلا، الذين عانوا من اليتم كثيرا ما تتضاءل لديهم معدلات الذكاء والتوازن النفسي تدريجيا مع تقدم العمر. ولنا أن نتذكر أن أبناء شريحة العبيد السابقين، في معظمهم، عانوا من” اليتم القسري” بسبب عمليات البيع والشراء، سيئة الصيت، التي كانت تجري بحقهم في المجتمع العبودي. ذلك أن الأبناء ينفصلون قسريا عن ذويهم مدى الحياة، مما يفضي،حتما، إلى هبوط تدريجي على المستوى النفسي، وفي مستوى الذكاء والقابليات الأخرى. من هنا، كان لا بد من التمييز الإيجابي لصالح هؤلاء المواطنين، من أبناء وأحفاد العبيد السابقين، ليس على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية فحسب، وإنما على المستوى النفسي. وهذا التمييز نعني به ضرورة إدراك قوى المجتمع- المحافظة على العقليات والذهنيات المرتبطة بممارسات تاريخية غير مشرفة- أن من مصلحتها أولا، ومن مصلحة المجتمع، ككلية، القبول بالامتزاج الزيجي، أي التزاوج بين الشرائح، وأن تطبق معايير الإسلام في هذا الموضوع الذي مازال يحتفظ بكامل حساسيته الاجتماعية والنفسية. ولنا في نبينا محمد (ص) إسوة حسنة، بتزويجه لزيد بن حارثة من بنت عمه زينب بنت جحش. إنه كلما رسخت في الأذهان أهمية، بل ضرورة هذا التمييز الإيجابي النفسي، زادت لحمة المجتمع العربي،باختفاء عوامل التفاوت الاقتصادي من جهة، وزوال الاختلاف في البشرة، على غرار البرعم الذي يختفي في الزهرة، والزهرة التي تختفي في الثمرة. والثمرة ههنا هي وحدة المجتمع وبقاؤه. (يتواصل).
الحراطين.. الفئة المغبونة(6)
كنا، في عدد الدرب العربي لشهر إبريل الماضي، نوهنا عن مقالين هامين، في موضوع العرب السمر، كتبتهما شخصيتان عربيتان في موريتانيا، تختلفان إيديولوجيا، الأولى بعثي سابق من الشريحة البيضاء هو فاضل سيد هيبة وسبق أن لخصنا مقاله في ذلك العدد. والشخصية الثانية ماركسي سابق من الشريحة السمراء (لحراطين)، وهو محمد سالم ولد مرزوك، الذي جاء في مقاله عن موضوع المطلب التاريخي للعرب السمر ومعقولية الحلول المقترحة لهذا المطلب: ” {…} وفي هذا السياق ما زلت أعتقد أن علينا أن نركز على العدل الاجتماعي وكل توابعه ولواحقه الخادمة لغرض مزدوج هو الوحدة الوطنية والوئام المجتمعي. لماذا..؟، لأنه في حياة كل شعب أو أمة، وفي وقت من التاريخ، هناك تحد يلخص الحاضر ويحدد المستقبل. وتلك في نظري هي الوظيفة الراهنة للعدل الاجتماعي. إنها تلخص، في ذاتها، الرهان الأساس لمستقبلنا المشترك؛ رهان الصدمة من أجل المساواة في سائر حقولها (إعادة صياغة المدرسة، مراجعة العلائق الاجتماعية والاقتصادية،، تقليص الفوارق في الدخل، معالجة الاختلالات الاقليمية، شراكة أوسع وافضل في السلطة…). إن العدل المنصف والتوافقي هو الأساس المتين لتحسين نوعية العلاقات الاجتماعية، وهو مفتاح الشراكة في المصير. {…} ولهذا الشأن سيكون من السذاجة أن نتوهم إمكانية تفكيك كل ماله صلة بالرق خارج نطاق دولة القانون، وفي غياب مؤسسات ناظمة حصينة،ودون أن نؤكد قوة القانون ونعيد ترتيب علاقاتنا الاقتصادية والاجتماعية ؛ دون أن نتخذ حزمة من التدابير المتواشجة والمتزامنة ذات الصلة بالأبعاد الاجتماعية، النقابية، الزراعية، التربوية، الثقافية وبالرواسب الذهنية والنفسية عند السادة والأرقاء معا، ودون أن نكثف في الأخير، بقسط وتوازن، عملية الشراكة في الحكم. {…} لنتجنب الوهم ثانيا، ثمة تناقضات تاريخية كبيرة، منها ما يؤثث النقاش والجدل بكل أشكاله، بيد أنها لا يمكن أن تجد حلولا إلا في الأمد الطويل للصيرورة الاجتماعية… عندما نؤسس لمسار صاعد نحو نظام اجتماعي جديد عادل، فإننا نشيد القوة الحصينة المستدامة لوئامنا الوطني والاجتماعي. وأخيرا، لنذكر بالبديهيات أن التطرف والتجاهل العنيد والسخرية والتهكم هي طرق مسدودة، لا تؤدي إلا إلى مأزق أو إلى متاهة.”
(عن جريدة الأمل، العدد 1921 بتاريخ 17 فبراير 2015)
