العدد 70 من مجلة الدرب العربي الصادرة عن حزب البعث العربي الاشتراكي
تهنئة.
بمناسبة السنة الميلادية الجديدة 2023 يتقدم طاقم تحرير جريدة الدرب العربي بأحر التهانئ و أرق المشاعر إلى رفاق البعث كافة في الوطن العربي و في المهجر، خاصة إلى رفاقنا في فلسطين و العراق و الأحواز العربية … و إلى جميع الأحرار و التقدميين في هذا العالم ، راجيا من الله أن تكون ٢٠٢٣ سنة يمن و خير و سلام و استرداد للحقوق على العرب و المسلمين و الإنسانية و سنة نهاية و انهيار مريع لقوى الظلم و الهيمنة و الاحتلال في كل مكان.
التحرير..
في الذكرى ال 16 لاستشهاده.
يمينا.. لأنت أعظم قائد!
سيدي الرفيق صدام حسين، ها أنت تحت الثرى و قد مضى على استشهادك عشر من بعدها ست، و ما زلت ،سيدي، حاضرا في مسرح الأحداث الدولية بكامل ألقك و عنفوانك الثوري و بوضوح فكرك و بهاء طلعتك كلما مر بهذه العوالم الافتراضية مقطع من إحدى خطبك أو مرت صورة منك في طريقها لتزيين جدران السابحين في هذه الفضاءات… فأنت حتى من تحت الثرى قائد موجه لأمتك و أمثولة للأحرار في عتمة هذه الحقبة البائسة من تاريخ الإنسانية… فلم تستطع ست عشرة سنة من غياب جسدك الطاهر أن تمحو هذا الحضور الطاغي و تلك الكاريزمية القاهرة … كما أعجزت النسيان أن يطويك من أذهان و قلوب مليارات الأشخاص الذين يضعون صورك زينة لبيوتهم و صفحات التواصل عبر الميدياشوسيال.
سيدي الشهيد صدام حسين، لم تبخل أمريكا و مذنباتها من الأشرار و أقلام و محطات السوء بأي جهد لمحو ذكرك و طمس مآثرك و تشويه سمعتك … و نسبوا لك ما ورد في التاريخ من مناكر و بوائق… حتى قتل قابيل لأخيه هابيل نسبوه لك … و كلما أفرط المجرمون في الشيطنة و الكذب عليك، صعد ذكرك و تصاعد صيتك عنان السماء و تناقلت شعوب الأرض صورك و تبادلوا أحاديثك و خطبك… حتى ضج الفضاء بها … فيمينا لأنت أعظم قائد بعد رسل الله و أصحابهم!
فأين هذا القائد الميت ، من غير الرسل و الأنبياء و الصديقين معهم، الذي يتابع الناس أحاديثه البطولية و مواقفه المبدئية و تحاليله السياسية و استشرافاته المستقبلية … كما لو أنها تنشر لتوها ! و أين هذا القائد في أعماق اللحود ، غير صدام حسين، الذي يفرض ذكره في كل حديث و كل تحليل … و في كل حين !
سيدي الرفيق صدام حسين حقا افتقدناك و كم تكشفت حقيقة أن كثيرين كانوا رجالا بوجودك… كانوا مرئيين بضيائك … كانوا مذكورين بذكرك… باختصار كانوا بكيانك… فعادوا من بعدك شيئا غير مذكور !
فسلام عليك و على رفاقك في عليين، و طاب ذكرك و ذكرهم في الآخرين… إلى يوم يبعثون…
جديد منظومة الفساد (الزحف على المجال السياسي..!!)
تحدثنا، أكثر من مرة ، عن الحجم المذهل لاستشراء الفساد في البلاد، و بين إخرون معنا كيف أن هذا الفساد تحول إلى شبكات من الخيوط المتداخلة العصية على فك ارتباطها … ؛ و هذا أمر فاضح معروف لجميع المواطنين بصرف النظر عن درجات وعيهم و قدراتهم الذهنية و العلمية. فالفساد في موريتانيا عشش و باض و فرخ في كل مرفق؛ و حلقاته محكمة الترابط. إن الجديد ، في تطور منظومة الفساد، هو انتقالها من نهب الأموال و سرقة الثروات الاقتصادية، بالتواطؤ مع الشركات الأجنبية، إلى سعيها للسيطرة على المؤسسة التشريعية. إنه من الواضح أن هذه المنظومة ، بشبكاتها المعقدة ، و بما حققت من نجاح كبير، عملت عليه في النظام السابق، في تتفيه الحياة السياسية و الشأن العام، و تمكنها من تحييد النخبة الوطنية، قد تمكنت أيضا من الاستيلاء التام على مقدرات البلد و هي اليوم تضع يدها على مؤسسة الجمعية الوطنية ( البرلمان) بعدما حظيت بتوصيل أكثرية أعضائها ، في ظل النظام السابق، من الأميين و التافهين و أشباه المرتزقين. و تصوروا برلمان دولة بأغلبية ممن لا يجيدون الكتابة و القراءة و من ليس لهم مؤهل دراسي. غير أن هذا لم يكن سوى مرحلة تمهيدية لزحف هذه المنظومة على غرفة التشريع. فقد اتضح أن رفض الترخيص لأحزاب جديدة في مخالفة صريحة للقانون و سحب تراخيص الاعتراف مما يناهز ( مائة حزب) ، لم يكن بهدف الاستجابة لمقتضيات احترام القانون و لا لتصحيح الاختلال المؤسسي في هذا المجال، كما قيل؛ و إنما كان هدفه سحب المجال السياسي من نطاق أمور الشأن العام بقطع الطريق و منع أي فرصة لدخول البرلمان من المواطنين الخارجين عن منظومة الفساد و من الذين يقاومون هذه الشبكات. فاليوم، هذه البقية المتبقية من ( الأحزاب)أتضح أنها مجرد برص سياسية و بزارات للمزاد العلني و السري لبيع و شراء المواقع ذات القابلية الانتخابية(eligible) على اللوائح النيابية… فأصبح من لا يستطيع شراء الموقع الأول على هذه اللائحة النيابية من هذا ( الحزب ) أو ذاك بستين أو خمسين مليون أوقية لا أمل له في الانتخابات! و هكذا بات المجال الانتخابي لعبة محصورة على الأقلية ممن سرقوا أموال الشعب، أو الأشخاص الذين حصلوا على ثروات بطرق ملتوية و مشبوهة أو العناصر العاملين في شبكات الأمن السياسي ؛ و إذن تكون الانتخابات التشريعية اليوم علبة مغلقة على منظومة الفساد، ليصبح البرلمان ملاذا قانونيا آمنا لحماية أفراد هذه المنظومة في الجهاز التنفيذي و علائقه… و معنى هذا أن الفساد تقدم شوطا من برلمان الرداءة و التفاهة ، في ظل النظام السابق، نحو برلمان المافيا التي أكملت سيطرتها ، منذ عقود، على قطاعات المال و الاستثمارات و مواقع النفوذ في الجهاز التنفيذي، لتزحف على المجال السياسي و تسحبه من يد ما بقي من نخبة وطنية تقاوم هذا الواقع المتردي …
هجرة الشباب الموريتاني.. أزمة مميتة للبلد!
منذ نهاية العشرية الأخيرة من القرن الماضي شهد بلدنا تسارعا ،مخيفا ، لرحيل مستمر و هجرة مكثفة لشبابنا إلى مختلف بلدان العالم. غير أن هذه الهجرة قد وصلت نسبا مروعة تنذر بأن البلد يتجه نحو التلاشي و أنه يعيش حالة نزيف دماغي هلّاك . فآلاف الشباب الموريتانيين ، من المتعلمين و غير المتعلمين، يفرون جماعياو سوية من جحيم الواقع الاقتصادي المتردي و البطالة التي تهرسهم دون رحمة في غياب أي بصيص أمل أو نقطة ضوء في النفق الذي يلف البلد برمته. و المفزع في الأمر أن هذا الشباب – الفار من وطنه اضطرارا – لا يلوي على شيء و لا يتلبسه أي حنين للعودة لوطنه لشدة الألم و الشعور بثقل أحمال المعاناة التي حملها معه إلى المهجر … و ما عاد يريد حتى التفكير بالرجوع يوما إلينا.و يبين الهوس بالحصول على جنسية بلد المهجر أن هذا الشباب يريد نسيان بلده الأصلي و يتطلع لوطن بديل عنه… مكتفيا ، بعض منه، حين يكتسب الإقامة أو الجنسية ، بالرجوع لبضعة أيام يقضيها غريبا و مغتربا مع من أدركه حيا من والديه… ثم يقفل راجعا كأنه أفلت من فك وحش ؛ و بعض هذا الشباب تتقطع به السبل أو يقطع هو نفسه السبل، بسكين العزم الصارم، دون عودته لموريتانيا، التي ترمز بالنسبة له إلى المعاناة و الظلم و التهميش و الحرمان… !
و السؤال المصيري هو ما مستقبل موريتانيا ؛ هذا البلد الذي يشهد هجرة شبابه على نحو هستيري و يتدفق عليه ملايين المهاجرين السريين من جيرانه نحو أوروبا، بعضهم يتجاوز و كثير منهم يخنس بانتظار التجنيس ؟ و ما هو مصير بلد تتضافر كل العوامل فيه على دفع شبابه للهجرة المكثفة منه؟
إن هجرة الشباب لم تكن بطرا كما لم تكن مفاجئة ؛ و إنما هي تعبير عن أزمة عامة و واقع اقتصادي متردي و مناخ سياسي طارد و بيئة اجتماعية كل ما فيها عوامل نفي لشبابها ( ثقافتها، تقاليدها، عاداتها،…) . إنه واقع لا يطاق و لا صبر عليه، بحيث أن الشباب في موريتانيا يمضي وقته في تقلب بين الصفائح الحارقة: المجال الاجتماعي، المجال السياسي، المجال الاقتصادي ، واقع التعليم… و لم يعد من سبيل، أمام عشرات آلاف الشباب، للخلاص إلا الهجرة أو الموت في سبيل الهروب من هذا البلد الجهنمي. لقد سدت في وجهه كل المنافذ للحياة الكريمة في وطنه، حتى مسابقات ضباط الجيش و قوى الأمن التي كانت متنفسا باتت حكرا على أبناء أو أقارب أصحاب الرتب العالية في هذه المؤسسة… حتى” المنظمات الخيرية ” طالها الاحتكار لصالح الأبناء المدللين لكبار الضباط ! إن هذا الواقع بهذه الدرجة من السوء لا يترك للشباب إلا خيارا من ثلاثة : إما أن يتحولوا إلى قوة مجتمعية إيجابية للنضال بخوض معركة الخلاص السياسي من الحكام الفاسدين و الصراع المفتوح مع البنية التحتية الاجتماعية للفساد التي هي حضن و كنف أسباب معاناة الشعب الموريتاني، برمته. .. أو يتحول هذا الشباب إلى كتل بشرية سلبية يراكمها الواقع السيء ، بعضها على بعض، فتصبح خميرة متعفنة للانحلال و الإرهاب … و أشكال الجريمة المنظمة . أو أن هذا الشباب يتيه على وجهه في الأرض، فرارا من الموت المعنوي إلى الموت البيولوجي، أثناء مغامرة الهجرة، أو الوصول إلى أوطان يمكن لهم فيها الحياة ! و الشيء المحير ، في هذا الواقع المحزن، هو تفرج الأنظمة على نزيف بلدهم من شبابه و كأن الأمر ليس فيه ما يستدعي الانتباه، أو كأن الوضع لا يعنيهم، أو كأنهم لهم مصلحة في ترصين سلطتهم تقتضي تشجيع إفراغ البلد من قوته الشبابية . و بكل حال من هذه الاحتمالات، فإن في الأمر ما يبعث على الاعتقاد بوجود خلل في عقول صناع هذا الواقع و قصور مميت في وعيهم بما ينطوي عليه أمر خلو البلاد، من شبابها، من خطر . فهل فكر هؤلاء أن هذه الهجرة تخلف فراغا هائلا على مستوى البنية الأمنية و الصحية و التعليمية… فمن أين سيتم الاكتتاب للجيش و الشرطة و الحرس و الدرك و التعليم و الصحة، و الإداريين … و البوابين و حراسة المؤسسات و العمال اليدويين … من أين ؟!!
أم أن هؤلاء الغافلين / أو المغفلين يفكرون ، على طريقة الآباء المؤسسين للدولة، بسد الفراغ الناتج عن هجرة شبابنا باكتتابات، في هذه المؤسسات، من شباب الهجرة المعاكسة، من البلدان المجاورة، إلى موريتانيا أو أوروبا.. أم يتركون الحال على ما هو عليه … نحو التلاشي !
موت النخبة في موريتانيا ..!!
لسنا معنيين ، في هذه الأسطر، بتتبع التعريفات التي أعطاها الباحثون لمفهوم النخبة؛ كما ليس هنا أيضا مجال حصر التعميمات التي شملت هذا المفهوم… إن ما يهمنا بالأساس هو إعطاء فكرة عن معنى النخبة السياسية تحديدا؛ و عما إذا كان ما يزال توجد نخبة سياسية في موريتانيا؟
الواقع أن النخبة السياسية انعدمت في بلدنا إذا تفقنا مع القول إنها تلك المجموعة من الأفراد الذين يتميزون بصفات الصفوة في مجتمعهم على أساس التمتع بالاحترام و المقبولية القيمية ؛ بما مكنهم من ممارسة النفوذ و توزع علاقات القوة و التأثير داخل المجتمع فيما بينهم و أتاح لهم الحضور بفاعلية في النظام السياسي القائم ؛ فنشأ من هذه العلاقات شبكة من الأنساق و المؤسسات السلطوية ذات رؤية متميزة في خدمة المجتمع و الدولة؛ أي على هدى برنامج و خطط عمل لتنفيذه. و يشترط في النخبة السياسية التي تقود المحتمع و السلطة أن يمتلك أفرادها إمكانيات فكرية و علمية و فنية و أخلاقية حتى تنجح في تسيير الشؤون السياسية أكثر من غيرها. و من هنا، نقل عن الفيلسوف اليوناني افلاطون أنه كان حريصا على أن تكون قيادة المجتمع الإغريقي مجموعة من النابهين ؛ الذين لا يمكن أن يكونوا إلا الفلاسفة القادرين وحدهم على إضفاء صفة العلم و الأخلاق على السياسة. فهل من يحكمنا اليوم و يتصدر الشأن السياسي تنطبق عليه بعض من هذه الصفات؟ . لا.
إنه في ضوء اشتراط الأهلية العلمية و الأخلاق في النخبة السياسية ،يمكن أن نجزم بأن مجموعة الأفراد الذين يحتكرون السلطة و يوجهون دفة العمل السياسي في البلد لا يمتون بصلة للنخبة السياسية بمعناها السامي ، الذي ساد في الحركات الإديولوجية، بدرجات مختلفة. إنما هو موجود اليوم هو عصابة سطت على السلطة بالقوة ، منذ عقود، و تحافظ عليها بالقوة و بمحاربة شروط النخبة السياسية( الأهلية العلمية و الأخلاق ) في المجموعة التي تقبلها شريكة لها في التسيير أو من ضمن تأثيثها السلطوي. و بانعدام هذين الشرطين في الجماعات السياسية التي تحتل المشهد السياسي ، في هذه الحقبة من تاريخ البلد، يشهد مجتمعنا فراغا سياسيا هو الأخطر على مستقبل المجتمع و الدولة ؛ نعيش واقعه المرير في تجليات منها سوء تسيير الدولة و تسيير المجتمع و غياب الرؤية في ممارسة السلطة و هلامية هوية النظام السياسي القائم… و عدم قدرته على التمييز بين احترام القانون في روحه و احترام القانون في شكله … فكلما يعيشه شعبنا من قلق و ارتباك و انسداد أفق و تخبط و ارتجالية في المعيش اليومي و ضبابية سياسية … وصولا لنفير حزب “الإنصاف”، غير المسبوق، قبل أيام، من أجل استقبال رئيس الجمهورية على طريق المطار عائدا من سفر خارج البلد و اعتبار سفر الرئيس و عودته بحد ذاتهما إنجازا تاريخيا يستحق بموجبه رئيس الجمهورية الشكر و الثناء، على نحو ما زينت هذه الجماعة للرئيس السابق كل صور الوقاحة و الصفاقة، و اعتبروهما ابتكارا منه في أساليب الحكم… كل هذا و ذاك يشكل أدلة على أن من يحيطون بالرئيس الحالي ، على غرار سلفه، و من يشركهم في صناعة القرار هم أشخاص عديمو الأهلية العلمية و مجردون كليا من الأخلاق، كما يبرهن على أن البلد، بموت نخبته الوطنية، ليس بخير و أنه يتجه نحو الخطر الوشيك ! طالما أصبح مصيره رهنا بأيدي مجموعة من الناس غير المؤهلين للقيادة، لا أداء و لا أخلاقا، و لا يجيدون إلا أساليب تطويق شخص رئيس الدولة و المهارة في استغبائه و تغييبه عن قضايا المواطنين و عن الاستماع لآهاتهم و شكاويهم … و إلهائه عن الاستجابة إلى تلبية حاجاتهم على نحو ما أجاد أفراد هذه العصابة في حجب سلفه و ضللوه بالاستقبالات المماثلة و التوقيعات المليونية و التوقيعات النيابية و الاعتصامات و الاستعراضات و الملصقات أمام مدخل القصر الرئاسي لفرض المأمورية الثالثة … ثم انقلبوا عليه كما انقلب الشيطان على مشركي قريش يوم بدر ! فهل نسيتم .. أم أنتم لا تعتبرون ؟
غلاء المعيشة من المصائب الكبرى !!
صحيح أن العالم برمته يجتاز ، بما كسبت أيدي الأمريكيين المجرمين، ظروفا عصيبة؛ منها ما هو طبيعي مثل جائحة كرونا التي نزلت على البشرية زلزالا لا مرد له، و منها ما هو بسبب التدافع الحاصل بين القوى الغربية، بقيادة أمريكا، من جهة، التي فرضت هيمنتها على الجميع بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية، و بين بعض الدول الشرقية الناهضة ، من جهة ثانية، مثل الصين و روسيا، اللتين حسمتا قرارهما في مواجهة الغرب لفرض نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، بديل عن نظام القطب الواحد الذي تتمسك به أمريكا. و سواء كانت هذه الظروف الدولية القاسية بفعل تداعيات الجائحة أو جراء انفجار الصراع الدولي و الاحتراب في أكرانيا ، فإن الشعوب كلها تعاني… و بلدنا من هذه الشعوب ، و من أضعفها اقتصادا و أكثرها هشاشة اجتماعية بفعل استشراء الفساد الذي ينخر الدولة فأنتج غياب العدل و اللامساواة بين أفراد الشعب في ثرواته الوطنية التي تحولت في أيدي حكامه و بطاناتهم الفاسدة. و إذا انضافت بلوى الغلاء الناتج موضوعيا عن عوامل دولية قاهرة إلى مصائب الفساد الداخلي ، فإن النتائج ستكون كارثية، لا سمح الله. إن الموريتانيين ، في هذه الظروف، يعيشون أسوأ أوضاعهم ، بعد موجات الجفاف في نهاية ستينيات و سبعينيات و بداية ثمانينيات القرن الماضي، برغم التحسن الذي حصل في مناحي أخرى من حياتهم كوجود مرافق صحية و مؤسسة للأمن الغذائي و خبرة في مواجهة موجات القحط… إلا أن الجديد في هذه الضائقة هو أنها لا تستثني أحدا، و لا أحد بوسعه إغاثة الشعوب المحتاجة ؛ خصوصا في مجالات الحبوب و الطاقة و تكاليف النقل… فالكل منهمك في ملء مخزوناته السيتراتيجية من الحبوب و مواد الطاقة… بل رأينا روسيا تتهم الدول الغربية الكبرى بسرقة حمولات السفن من الحبوب ؛ فغيرت وجهتها من إفريقيا إلى أوروبا؛ تحوطا لمزيد من التطورات الدولية في المواجهة و خشية على شعوبها من نقص الغذاء المؤدي للمجاعة. إن ظروفا كهذه تقتضي قيادات للدول على مستوى الوعي بحجم الخطر على الأمن الغذائي العالمي ، و إدراك ما قد تتسبب فيه التطورات الدولية من ويلات و حروب و مجاعات و أوبئة و كوارث إنسانية. و لأننا كنا أول من كتب بأشهر، تنبيها لحكومة البلد، عن قرب اندلاع الصراع الدولي و عن تبعاته الخطيرة ، و قلنا في وقته إن منظومة برخان صارت من الماضي و أن فرنسا باتت في موقع ثانوي في الصراع الدولي الجديد، فها نحن الآن، أيضا، نكرر التنبيه على خطر المجاعة على شعبنا. إن مقاليد القرار ليست بأيدينا و لسنا ممن يستشيرهم صانع القرار ، و إذن لا يبقى بأيدينا إلا التنبيه، قبل فوات الأوان، على شدة الظروف على الموريتانيين و التحذير من الغفلة أو التغافل و الاستهتار بتبعات جوع المواطنين جراء غلاء الأسعار التي لم تعد تطاق ! لقد أحسنت الحكومة بزيادة الرواتب لو أنها قادرة على مواجهة ارتفاع الأسعار الذي يتعمده التجار لامتصاص أي أمل في التخفف من المعاناة مع كل زيادة للرواتب. لكن الحكومة تظهر دائما عاجزة.كما أن زيادة الرواتب، على تواضعها، لا تنفع في مواجهة أكثر من ثلاثة ملايين من الموريتانيين الذين يكابدون الظروف من دون راتب و لا دخل شهري! إن نذر المجاعة أصبحت تلوح على أوجه الناس في آلاف القرى الريفية و في أحزمة الفقر من حول المدن الكبرى في البلاد. و تلك مناسبة نناشد فيها التجار الموريتانيين بالتخلي عن جسعهم و مبالغتهم في انتهاز الفرص لرفع أسعار المواد الغذائية التي لا غنى عنها للبقاء … كما نحذرهم من مغبة احتكار هذه المواد للتربح المفرط على حساب الناس ؛ الذي سيقود إلى أمرين مدمرين لهم و للجميع : الركود الناتج أول عن عجز المواطنين كليا عن الشراء و ثانيا اندلاع ثورة جياع عارمة لا تبقي و لاتذر، مهما كان الثمن في سبيل تأمين لقمة العيش و توفير الطعام ! إن الإسلام قد احتاط لمثل هذه الظروف فأجزل الأجر للباعة بسماحة و رفع النكير على الانتهازيين للفرص. قال عليه الصلاة و السلام ( إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى و بر و صدق) ، أو كما قال. أما من كذب و غش و زور و دفع الناس للجحيم في أقواتهم، مستغلا ضعف رقابة الدولة و خيانة بعض عمالها، فهم تجار فجور و فحش.و أخيرا نلفت انتباه المواطنين إلى ضرورة الترشيد و تجنب التوسع في شراء ما ليس ضروريا في هذه الظروف، خاصة الكماليات التي تستنزف دخولهم و ليس لها ضرورة في تأمين حياتهم… فترشيد الاستهلاك هو أنجع معين لهم و هو أعظم نصيحة إليهم…
لانتخابات في الريف الموريتاني : من صراع القبائل إلى الصراع داخل القبيلة
عرفت موريتانيا الانتخابات المحلية ابتداء من 1986 عندما نظمت أول انتخابات بلدية خلال هذه السنة في عاصمة البلاد لتكون الخطوة الثانية من تطوير المشاركة الانتخابية مع بداية التسعينيات، بعد أن أصدرت فرنسا توصية للزعماء الأفارقة بإتاحة قسط من الحرية للشعوب لتشارك في السياسة وتخوض الانتخابات.
ولم تكن توصية فرنسا هذه بدافع حسن النية اتجاه الشعوب الإفريقية، وإنما بدافع سوء النية قصد إلهائها عن التفكير في الثورات حتى لا يتم التغير الجذري الذي يخرج الشعوب من ربقة التبعية لفرنسا الموكلة للأنظمة الفاسدة.
وفي هذا السياق أصدرت موريتانيا دستور 20 يوليو 1991 القاضي بمنح حرية المشاركة في الانتخابات و إنشاء الأحزاب السياسية
ومنذ ذلك الوقت ، دخلت القبائل في سباق محموم من أجل تأكيد قوتها في المجالات التي توجد فيها خاصة في الأوساط الريفية التي تمثل خزانات انتخابية بعيدة عن ملامسة الوعي في المدن الكبرى . ودعا ذلك المسعى كل قبيلة إلى تأكيد الولاء الدائم للأنظمة إلا في حالات نادرة لأن ولاء السلطة يضمن لها ولاء الإدارة وبالتالي عدم الخوف من قلب النتائج لصالح قبيلة تنافسها وظل هذا الصراع محتدما، كما أرادت له فرنسا ذلك، حتى الانتخابات البلدية والبرلمانية ، 2013 ؛ حيث بدأت السلطة تغير تعاملها مع القبائل من التركيز على المركزيات (شيوخ القبائل) إلى إشراك الأطراف (الإدارين والعسكريين المتقاعدين ورجال الأعمال ) وهو ما خلق نوعا من الصراع داخل كل قبيلة بدلا من أن كانت القبائل تركز جهودها على الخصوم الخارجبيين.
وإذا أردنا أن نجد تفسيرا لهذا التحول الذي لا يمكن فهمه على أساس أنه توجه من السلطة نحو التخلص من القبائل أمكننا إرجاعه إلى الإرادة الفرنسية بعد أن اتضح لها أن المجتمع أصبح يمل الزعماء التقليديين ، ومخافة أن يفلت من يدها كلفت به رجال الأعمال، بواسطة الأنظمة الفاسدة، ليمتصوا حماسه نحو التمرد ويوجهوا طموحه إلى خدمتهم على غرار ما حدث للشعب الفرنسي اثناء ثورته حين انخرط البورجوازيون في ثورة الفلاحين من أجل القضاء على النظام الملكي وسرعان ما انقلب البورجوازيون على الثورة واستنجدوا من أجل إجهاضها بالقائد العسكري نابليون بونابرت الذي أراد تحويل البلاد إلى إمبراطورية عسكرية، لكن إصرار الشعب الفرنسي على رفض العودة إلى المربع الأول جعله يواصل التقدم ويؤسس دولة مدنية ، القرار النهائي فيها للشعب، فهل سيستطيع الشعب الموريتاني أن يعيد نفس التجربة ويفشل مخطط فرنسا والأنظمة الفاسدة التابعة لها ويتخلص من هذه الأنظمة وواجهاتها سواء كانت شيوخ قبائل أم رجال اعمال؟.
التجار يستغلون أزمة العطش في قرى الريف الموريتاني لكسب الأصوات
ارتبط النمو الحضري المتسارع في موريتانيا بموجة الجفاف التي ضربت البلاد ابتداء من سبعينيات القرن العشرين ،حيث تحولت مرابع انتجاع السكان إلى صحاري طاردة فنزحوا عنها صوب أماكن أقل تصحرا وأضمن لنشاط يدر عليهم بالدخل .
وقد حصل نزوح كبير ومتسارع من حياة الترحال نحو حياة الاستقرار المفاجئ طبع قرى البلاد وخاصة الريفية منها بطابع العشوائية مما نتج عنه عجز الحكومات المتلاحقة عن ضبط النسيج الحضري لهذه القرى وما يتطلبه ذلك من خدمات يأتي في مقدمتها توفير الماء الصالح للشرب والاستهلاكات الضرورية لري المزارع وسقاية المواشي لمجتمع مازال تعتمد اليد العاملة فيه على أنشطة القطاع الفلاحي بما نسبته حوالي 53% .
ومن المعروف أن ظاهرة التقري العشوائي تربك أكثر دول العالم جدية في خدمة شعوبها وأوفرها موارد طبيعية أحرى بلد كموريتانيا يعاني شح المصادر المائية ويكلف المسؤول فيه بتسيير الموارد بناء على ولائه القبلي والجهوي والزبوني والشرائحي بعيدا عن الكفاءة والوطنية.
إن جل قرى الريف الموريتاني تعاني اليوم أزمة عطش حادة ناتجة عن جملة من المشاكل أبرزها: شح المصادر المائية الجوفية والسطحية وغياب سياسات رشيدة تهدف إلى تسيير الموجود منها بما يضمن سد عطش السكان ،بالإضافة إلى قلة الإطار الفني القادر على صيانة المولدات بما يمكن من استمرارية الضخ.
وبناء على استفحال أزمة العطش في قرى الريف الموريتاني الناتجة عن الأسباب المذكورة وغياب الرقابة الصارمة من لدن الدولة فقد استغل التجار الطامحون لولوج البرلمان حاجة السكان في الماء، ويأسهم من تدخلات الدولة لحل مشكله، بإعطاء هؤلاء السكان وعودا بتسوية هذا المشكل مقابل التصويت عليهم، وهو ما يترجم، بوجه أو بآخر، حالة من حالات شراء الذمم التي أصبحت وسيلة هؤلاء التجار للوصول إلى قبة البرلمان إذا تأكد صدقهم فيها آما إن تأكد عكسه فإنه يشكل حلقة من حلقات الاحتقار التي طبعت تعامل كل مسؤول في الدولة مع المواطنين منذ الاستقلال حتى اليوم.
